تحميل و قراءة كتاب الإمام الأشعري حياته وأطواره العقدية pdf

تحميل كتاب الإمام الأشعري حياته وأطواره العقدية pdf

المؤلف : محمد رافت سعيد
التصنيف : كتب إسلامية
السنة : 2011
عدد الصفحات : غير محدد
عن الكتاب : 2011م - 1443هـ أبو الحسن الأشعري (260 - 324 هـ/ 874 - 936 م) أحد أعلام أهل السنة والجماعة، وإليه ينسب المذهب الأشعري، وكنيته أبو الحسن ويلقب بناصر الدين، وينتهي نسبه إلى الصحابي أبي موسى الأشعري. كان من كبار الأئمة المجتهدين والمجددين الذين حافظوا على عقيدة المسلمين واضحةً نقيَّةً، وتبعه جماهير العلماء على مرِّ العصور حتى يومنا الحاضر. وكان في أول حياته على مذهب الاعتزال، ثم تاب وتراجع بعد ذلك، وتبرَّأ من الأقوال التي كان يقولها المعتزلة، من القول بخلق القرآن وأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين منزلتين وغير ذلك من أقوالهم، وأصبح أهل السنة ينتسبون إليه، حتى لقب بإمام أهل السنة والجماعة. وقد نبغ الأشعري في العلوم العقلية، واشتهر بقوة الجدال والمناظرة بجانب محافظته على النقل. وبجانب براعته في علم الكلام كان أيضاً فقيهاً وعالماً ومحدثاً، يميل كثيراً إلى حياة الزهد والبساطة، وكان متصوفاً في أغلب سلوكه. وقد بلغت مؤلفاته نحو مائتي كتاب. وقيل: بلغت مصنفاته ثلاثمائة كتاب. جعل هدفه الأسمى توحيد كلمة المسلمين على المنهج الوسطي المعتدل ورفض التطرف بكل أنواعه، تطرف المعتزلة الذي أدى بهم إلى رد كثير من نصوص السنة الصحيحة، كما رفض تطرف الجهة الأخرى وهي جهة المجسمة المشبهة الذين غالوا في إثبات ظواهر نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية حتى وصلوا إلى التشبيه والتجسيم، كما تلقفوا من الأخبار كل سقيمٍ وضعيفٍ، فوصلوا إلى عقيدةٍ أقرب إلى الوثنية. ولما كانت الوسطية أهم سمات الإسلام -وهي السمة التي ساعدته على البقاء والاستمرار- استمر مذهب الإمام الأشعري على نفس الوسطية، فأعترف بالعقل الذي انتصر له المعتزلة وآمن به وجعله مساعداً لفهم للنص ورديفاً له لا بديلاً عنه، كما آمن بالنص الذي زعم الحشوية التمسك به، لكنه أعمل النص في مجاله والعقل في مجاله دون أن يجحف بحق واحد منهما حين يدخله في غير مجاله، وبذلك دان جمهور المسلمين بهذا المذهب. كان الإمام الأشعري واسع العلم غزير المعرفة ويشهد له كثرة تآليفه في شتى أنواع العلوم الإسلامية، واتباع جماهير الأمة الإسلامية لطريقته بما فيها من علماء وصالحين وأتقياء وأولياء، وهؤلاء لا يجتمعون على ضلالة؛ لأنهم نخبة هذه الأمة، والمنفي عنهم الاجتماع على الضلالة بنص الحديث المشهور: لا تجتمع أمتي على الضلالة. وقد كان الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الفقيه الشافعي المشهور يقول: «كنت في جنب أبي الحسن الباهلي كقطرة في البحر، وسمعت أبا الحسن الباهلي، قال: كنت أنا في جنب الأشعري، كقطرة في جنب البحر». وقد قيل للقاضي أبي بكر الباقلاني: كلامك أفضل وأبين من كلام أبي الحسن الأشعري ، فقال: «والله إن أفضل أحوالي أن أفهم كلام أبي الحسن ». كان الإمام الأشعري إماماً من أئمة السلف الصالح عاش معظم عمره في القرن الثالث الهجري، وهو من القرون التي شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية، وبنهايتها انتهى عصر السلف الصالح. وقد كان الإمام الأشعري متقللاً من الدنيا، يعيش فيها عيشة الكفاف مكتفياً بما يسد رمقه؛ فقد كان يأكل من غلة ضيعة وقفها جده بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري على عقبه، وكانت نفقته في كل سنة سبعة عشر درهماً! وهذا يعني أن حياته كانت حياة زهد وتقشف وعفاف وحلال. فيقول ابن عساكر نقلاً عن بندار بن الحسين الشيرازي، وهو عالم صوفي أورده أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه: (طبقات الصوفية)، وقد كان خادماً للإمام الأشعري بالبصرة. قال: كان أبو الحسن يأكل من غلة ضيعة وقفها جده بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري على عقبه، قال: وكانت نفقته في كل سنة سبعة عشر درهما. أما عبادته لله فقد كان كثير القيام للّيل، بقي قريباً من عشرين سنة يصلي صلاة الصبح بوضوء العشاء، وكان يخفي عبادته عن الناس خشية الرياء ولا يحكي عن اجتهاده فيها شيئاً إلى أحد. كما كان ورعاً تقياً شديد الحياء، شديد الغض لطرفه عن محارم الله تعالى، نشيطاً في أمور الآخرة مقبلاً على ربه عز وجل، فيقول ابن عساكر نقلاً عن أبي الحسين السَّروي: "كان أبو الحسن، يعني الأشعري قريبا من عشرين سنة يصلي صلاة الصبح بوضوء العتمة، وكان لا يحكي عن اجتهاده شيئا إلى أحد". ومعنى أنه يصلي صلاة الصبح بوضوء العتمة، أي العشاء، أنه يقوم الليل كله حتى الفجر، مجتهداً في العبادة والصلاة؛ لأنه لو أغمض عينه لحظة، لكان عليه أن يجدد وضوءه. ومعنى أنه كان لا يحكي عن اجتهاده شيئاً إلى أحد أي في مجال العبادة والتهجد فالعجب والغرور لا يعرفان لهما طريقاً إلى نفسه، بل الورع والإخبات. ويتناول ابن عساكر ورع أبي الحسن وحياءه وتديُّنه، فيقول نقلاً عن أبي عمران موسى بن أحمد بن علي الفقيه، عن أبيه: "خدمت الإمام أبا الحسن بالبصرة سنين، وعاشرته ببغداد إلى أن توفي ، فلم أجد أورع منه، ولا أغض طرفا، ولم أر شيخا أكثر حياءً منه في أمور الدنيا، ولا أنشط منه في أمور الآخرة". وهذا يعني أن الإمام الأشعري كان يبتعد عن الشبهات والمحرَّمات، وكان يغض الطرف عن الشهوات والصغائر، والضغائن والخصومات والعداوات، وكان عفيف النظر، سمح الوجدان والمشاعر، ولا يتدنى إلى مستوى الخلافات الشخصية. كما كان لا يُزاحِم على أمور الدنيا وجاهها، على حين أنه يُسارع وينشط في أمور الآخرة، على نحو يتفوق فيه على كل من عداه. صفته وأخلاقه كان الإمام الأشعري متواضعاً، شديد الحياء، ورعاً حسن الخلق، لطيفاً بهي المنظر مهيباً، ينصف الناس ويحترمهم، من أكثر الناس دعابة، وكان قانعاً متعففاً، حريصاً على جمع كلمة المسلمين، وكان كجده أبي موسى الأشعري موصوفاً بحسن الصوت. وهناك قصة تبين إنصافه وحسن خلقه؛ فقد حضر الأشعري بعض مجالس المناظرة وناظره إنسان فانقطع في يده، أي انقطع الأشعري عن الحجة، وكان معه رجل من العامة فنثر عليه لوزاً وسكراً، فقال له الأشعري: ما صنعت شيئاً؛ خصمي استظهر علي وأوضح الحجة وانقطعت في يده، كان هو أحق بالنثار مني! ثم بعد ذلك أظهر خصمه التوبة والانتقال عن مذهبه إلى مذهب أهل السنة والجماعة. كما كان حاضر البديهة شديد الحفظ ذكياً فطناً، قال أبو عبد الله بن خفيف: دخلت البصرة وكنت أطلب أبا الحسن الأشعري ؛ فأرشدت إليه، وإذا هو في بعض مجالس النظر فدخلت، فإذا جماعة من المعتزلة فكانوا يتكلمون، فإذا سكتوا وأنهوا كلمهم قال لهم أبو الحسن الأشعري لواحد واحد: قلت كذا وكذا، والجواب عنه كذا وكذا، إلى أن أجاب الكل، فلما قام خرجت في أثره فجعلت أقلب طرفي فيه فقال: إيش تنظر؟ فقلت: كم لسان لك؟! وكم أذن لك؟! وكم عين لك؟! فضحك وقال لي: من أين أنت؟ قلت: من شيراز. وكنت أصحبه بعد ذلك. أهم مبادئه من أهم مبادئ ومعتقدات الإمام الأشعري وفقاً للدكتور محمد أمين فرشوخ في كتابه موسوعة عباقرة الإسلام: الله تعالى واحد لا شريك له، قديم لا أول له. وأثبت هذا الوجود بالآيات القرآنية وبالأدلة المنطقية. الله تعالى يعلم الواجب والجائز والمستحيل، محيط بكل شيء ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. القرآن الكريم من حيث هو كلام الله تعالى بالحقيقة هو قديم أزلي، ومن حيث هو ألفاظ تُنقل وتسمع هو مُحدث ومخلوق. أفعال العباد كلها مخلوقة والله تعالى هو خالقها، والعبد عاجز عن خلق أعماله، إلا أن للإنسان قدرة على الأفعال الإرادية فقط، والإنسان كاسب لهذه الأفعال، ينال الثواب والعقاب عليها. التمسّك بكل ما جاء في القرآن والسنة الصحيحة في كل ما يتعلّق بصفات الخالق، وعلى المؤمن المسلم عدم السؤال عن معانيها. الاعتقاد بأن الإيمان هو التصديق بالقلب، أما القول باللسان والعمل بالفرائض فهما من فروعه. والشفاعة واردة فالنبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأمته. رؤية الله في الآخرة للمؤمنين أمر جائز، وقد بيّن ذلك بالآيات القرآنية والأدلة العقلية. السببية الحقيقة لكل ما يحدث ليس النظام المقرر والنواميس الطبيعية بل هو الله تعالى. حال المسلمين قبل ظهور الإمام الأشعري بعد أن طرأ بعض فتور على الفتوح ازداد الناس تفرغاً لتلك الآراء المبثوثة -مثل آراء الخوارج والباطنية والقدرية والجبرية والمرجئة والحشوية، وبالجملة لمجمل الآراء صحيحها وسقيمها والمنحرف منها ومستقيمها- وتغلب على عقول الناس شهوة التعمق فيها. وأخذ أمثال ابن المقفع وحماد عجرد ويحيى بن زياد ومطيع بن إياس وعبد الكريم بن أبي العوجاء -الذي كان ربيب حماد بن سلمة وكان اعترف أنه وضع أربعة آلاف حديث- يواصلون السعي في نشر الإلحاد بين المسلمين وترجمة كتب الملاحدة والثنوية ونشرها، حتى استفحل أمرهم. فأمر المهدي علماء الجدل من المتكلمين بتصنيف الكتب في الرد على الملحدين. وكان القائمون بأعباء تلك المدافعات طائفة من المعتزلة، فأصبحوا -أي المعتزلة- بين عدوين: عدو من خارج الملة له آراء وفلسفة تدرب عليها من عهد قديم، ويتمثل في الكفرة والملاحدة والزنادقة. عدو مجافٍ من داخل الأمة كاد السواد أن ينحاز إليه لتقشفه وهو بعيد عن قضايا العقول، راجت عليه تمويهات المضلين من اليهود والنصارى والثنوية، فكان قصارى عمله وهمه في هذه المعمة: الوقيعة في أهل النظر العقلي لا يفرق بين العدو والحميم، ولو وُكِّل له أمر الدفاع عن العقيدة الإسلامية لما أمكن أن يدافع عنها ساعة من نهار. ولقد اشتغل المدافعون عن العقيدة والمناظرون لخصومها بالعدو الأول -من خارج الملة- وتغاضوا عن الثاني -وهم الحشوية- حتى أتموا الرد على الأول وكشفوا تمويهاته، ثم نقضوا كلام العدو الثاني وأظهروا سخف آرائهم. لكن طول وعمل الجدل والمناظرات في مسائل العقيدة مع خصوم متعددين ومتباينين، أدّت بالمعتزلة إلى ركونهم المطلق إلى العقل وتمجيده والثقة المطلقة به وبكل ما ينتج عنه، ورفضهم للنقل وغلوهم في رفضه وتنحيته من أصول العقيدة بشكل كامل. وكان غالب الفقهاء وحملة السنة طوال هذه المكافحات يأبون الخوض في تلك المسائل ويَجرون على ما عليه الصحابة وخيار التابعين من الاقتصار على ما ثبت من الدين بالضرورة، رغم أن خصوم الدين من الزنادقة كان لهم من الأسلحة ما لا يمكن مقابلته إلا بمثله، خصوصا وأنهم جروا في بث سمومهم وزندقتهم مع المسلمين على طريق التدرج في مراحل التشكيك والتضليل، والجمهور من الفقهاء وأهل السنة في غفلة من ذلك. ومشى أولئك الزنادقة بالمسلمين إلى مرحلة لو ترك الأمر لهم وشأنه لكادت أن تتسرب شكوكهم إلى قلوب جماعة المسلمين فتعم البلوى ويبلغ الخطب مداه. في هذه الظروف، تولى المأمون العباسي الخلافة، وأخذ يشايع المعتزلة ويقربهم حتى حمل الناس على القول بخلق القرآن والتنزيه حسبما يوحي إليه عقله وعقول خلطائه، ودامت هذه المحنة طوال خلافة المعتصم والواثق وزاد الأخير مسألة نفي الرؤية، فلقي خصوم المعتزلة شدائد استمرت إلى أن رفع المتوكل المحنة وأظهر الإمام أحمد بن حنبل فيها من الثبات ما رفع شأنه. ولم يكن للمتوكل ما يحمد عليه غير رفعه المحنة ومنع الناس عن المناظرات في الآراء والمذاهب. ثم ابتدأ من عهد المتوكل العباسي رد الفعل يأخذ سيره الطبيعي من ارتفاع شأن الحشوية وانقماع أهل النظر والمعتزلة. وتشكل حال المسلمين في أمر العقيدة على ما يقرب من هذا التقسيم: أهل السنة: من الفقهاء والمحدثين غارقين في علومهم المجردة في غير جلبة ولا ضوضاء. الحشوية: يجرون على طيشهم وعمايتهم واستتباع الرعاع والغوغاء ويتقولون في الله ما لا يجوِّزه شرع ولا عقل من التشبيه والتجسيم. المعتزلة: يعطلون صفات الله، ويحكّمون العقل تحكيما مطلقاً ويرفضون النقل رفضاً تاماً، ويقولون بخلق القرآن وبنفي الرؤية في الآخرة ونفي الشفاعة وبالأصول الخمسة التي خالفوا بها عقيدة أهل السنة والجماعة، وكانوا يتغلبون على عقول المفكرين من العلماء ويسعون في استعادة سلطانهم على الأمة. الملاحدة والقرامطة والزنادقة: توغلوا في الفساد واحتلوا بلاد الإسلام ولم يبقَ ثغور الدفاع عن العقيدة ما يرابط بالحجج القاطعة والبراهين الدامغة والأدلة الناصعة التي تمحق مخرقة الإلحاد والزندقة والقرمطة، حيث انشغل الكل بأنفسهم وبصراعاتهم البينية. نشأته وتحوله لنصرة أهل السنة كان الإمام الأشعري يعيش في كنف المعتزلة؛ فهو ربيب إمام من أكبر أئمتهم ألا وهو أبو علي الجبائي فهو زوج أمه، تتلمذ عليه منذ نعومة أظفاره، حيث لقنه أصول المعتزلة وطريقتهم قبل أن يشتد عوده، فهو لا جرم تلميذه المقرب؛ ظل يلازمه ويأخذ عنه لا يفارقه أربعين سنة، حتى وصل الأمر بالجبّائي أنه كان إذا عرض له عارض من مرض أو غيره، يمنعه من الحضور في المجالس العلمية والمناظرات يبعث الأشعري ويقول له: نب عني. فأبو الحسن تمرس في طريقة المعتزلة حتى تبحر في كلام الاعتزال وبلغ مكانة مرموقة لديهم، وصار يشار إليه بالبنان، ولكنه كان ذا عقل منير وفطرة سليمة، كما كان باحثاً عن الحقيقة دون تعصب، فقد كان يورد الأسئلة على أساتذته في الدرس، ولا يجد فيها جواباً شافياً؛ فتحير في ذلك أشد الحيرة، وبقي باحثاً عن الحقيقة متعطشاً لها، ملتجئاً إلى الله أن يلهمه رشده ويدله على الحق الذي يريده الله ويرتضيه. ولما جاوز حد الأربعين ازدادت الحيرة لديه بازدياد بحثه عن الحقيقة مع زيادة الالتجاء إلى الله، فغاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوماً متفكراً متأملاً. ثم خرج إلى الجامع؛ فصعد المنبر يوم الجمعة، وقال: معاشر الناس؛ إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق على باطل، ولا باطل على حق؛ فاستهديت الله فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا. وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به، ودفع الكتب إلى الناس، فمنها كتاب: «اللمع» وكتاب أظهر فيه فساد رأي المعتزلة سماه كتاب: «كشف الأسرار وهتك الأستار» وغيرهما. فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة أخذوا بما فيها وانتحلوه واعتقدوا تقدمه واتخذوه إماماً؛ حتى نسب مذهبهم إليه. أما المعتزلة فأعلنوا عليه الحرب وشنعوا عليه ولفقوا الأكاذيب والأباطيل وحقدوا عليه. وتثبت المصادر أسباباً عدة لهذا التحول الفكري في حياة الأشعري، من أهمها تلك المسائل والإشكاليات التي صادفته، والتي لم يجد لها جواباً عند شيخه الجبائي؛ الأمر الذي أوقعه في حيرة وتشكك في مذهب المعتزلة، بصورة جعلته غير راضٍ عنه بالمرة، وبوجه عام يمكن تحديد دواعي الموقف المعارض الذي اتخذه الأشعري من المعتزلة، والذي أدى به إلى التحول - كما يذكر المستشرق هنري كوربان - بأمرين أساسيين: أن منح العقل أهمية مطلقة لا يُفضي إلى دعم الدين، كما زعم المعتزلة، بل على العكس قد يُفضي إلى نفي الدين، أو إلى استبدال العقل بالإيمان، وأي قيمة لتشريع سماوي إذا كان العقل أسمى منه وأرفع؟! يؤكد القرآن في كثير من آياته على الإيمان بالغيب كمبدأ أساسي في التصور الديني، إذا انهارَ انهارت معه أركان الدين، والغيب هذا أمر يُجاوز حدود الفكر البشري ونطاق البراهين العقلية، فاتخاذ العقل إذن كمقياس مطلق في أمور العقيدة يتنافى والحالة هذه مع مبدأ الإيمان بالغيب. مناظرته مع أستاذه الجبائي اعتكف الأشعري في بيته 15 يوماً يفكر في كل ما تعلم عن المعتزلة. قالوا: "ثم خرج إلى الجامع وصعد المنبر وقال: معاشر الناس إنما تغيبت عنكم هذه المدة لأني نظرت، فتكافأت عندي الأدلة ولم يترجح عندي شيء على شيء، فاستهديت الله فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به". وأول ما بلغنا من شكه وخروجه أنه ناظر أستاذه الجبائي، فقال الأشعري له: "ما قولك في ثلاثة: مؤمن وكافر وصبي؟ فقال الجبائي: المؤمن من أهل الدرجات، والكافر من أهل الهلكات، والصبي من أهل النجاة. فقال الأشعري: فإن أراد الصبي أن يرقى إلى أهل الدرجات هل يمكن؟ قال الجبائى: لا، يقال له: إن المؤمن إنما نال هذه الدرجة بالطاعة، وليس لك مثلها، قال الأشعري: فإن قال: التقصير ليس مني، فلو أحييتني كنت عملت من الطاعات كعمل المؤمن، قال الجبائي: يقول له الله: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت ولعوقبت، فراعيت مصلحتك، وأمتّك قبل أن تنتهي إلى سن التكليف... قال الأشعري: فلو قال الكافر: يا رب علمت حاله كما علمت حالي، فهلا راعيت مصلحتي مثله؟ فانقطع الجبائي". وهذه المناظرة مبنية على قول المعتزلة: إن الله تعالى يجب عليه مراعاة الأصلح للعبد، فناقشه الأشعري في هذا المبدأ. ورووا مناظرة أخرى له خلاصتها أن رجلاً سأل الجبائي: هل يجوز ان يسمى الله عاقلاً؟ فقال الجبائي: لا، لأن العقل مشتق من العقال، والعقال بمعنى المانع، والمنع في حق الله محال. فقال الأشعري للجبائي: فعلى قياسك لا يسمّى الله تعالى حكيماً، لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام، وهي الحديدة المانعة للدابة (التي تكون في فم الفرس لإحكام جماحه) عن الخروج، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت: فنحكم بالقوافي من هجاناونضرب حين تختلط الدماء بمعنى نمنع بالقوافي من هجانا. وقال آخر: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكمإني أخاف عليكم أن أغضبا أي امنعوا سفهاءكم. فإذا كان اللفظ مشتقاً من المنع، والمنع على الله محال، لزمك أن تمنع إطلاق "حكيماً" عليه تعالى، فلم يجد الجبائي جوابا، وسأل الأشعري: ما تقول أنت؟ قال: أجيز حكيماً، ولا أجيز عاقلاً... لأن طريقي في مأخذ أسماء الله السماع الشرعي، لا القياس اللغوي، فأطلقت حكيماً، لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلاً، لأن الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته. وهكذا سار الجدل بينهما حتى انفصل عنه الأشعري وعن الاعتزال. منهجه في البحث عن الحقيقة يمكن لنا من هذه الحادثة أن نستشف منهج الإمام الأشعري في البحث عن الحقيقة، ويمكن أن نلخصه في الآتي: البحث عن الحقيقة ونبذ التعصب؛ حيث لم تمنعه أربعون سنة قضاها في الاعتزال أن يرجع إلى الحق لما ظهر له، وفي هذا درس لكل باحث عن الحقيقة أن لا تأسره فكرة ما ولو طال اعتقاده لها، بل يتبع الحق متى ظهر له. دوام الفكر دون توقف، وكثرة التأمل مع الخلوة المؤقتة حتى يتفرغ الذهن من الشواغل. الالتجاء إلى الله تعالى والاعتراف بالعجز بين يديه سبحانه وتعالى، ودوام الخضوع له والتماس الهداية منه؛ لأنه وحده القادر على خلق الهداية والتوفيق لها، مع الأخذ بالأسباب، ولكن الاعتماد على الله وليس على تلك الأسباب. اعتماد الكتاب والسنة أصلاً وحيداً في الشرعيات، فما وافق الكتاب والسنة في قضايا الشرع قُبل وما لم يوافق رُد، ولا يعد هذا انتقاصاً للعقل؛ إذ العقل مجاله العقليات، أما في الشرعيات فعمله منحصر في إثبات صدقها أولاً ثم فهمها الصحيح ثانياً، والعمل بمقتضاها أخيراً. القضاء على الاعتزال فرض الاعتزال على المسلمين ثلاثةٌ من خلفاء بني العباس على مدى سنوات طويلة؛ فصار لهم دولة ورجال ولكن الفكر لا يستمر ولا يستقر فرضاً من حاكم أو دولة وإن طال زمانه فلا بد أن تعود الأمة إلى رشدها، ولا بد لحجة العقل أن تغلب حجة السيف. لما توقف الحكام بالحياد وتركوا إرغام الناس على اعتناق مذهب تنشط أهل الحق في بيان العقيدة الصحيحة، وشاء الله تعالى للمذهب المبطل أن ينتقض من داخله، وهذه سنة الله في الأرض ﴿بل نقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق﴾ (سورة الأنبياء: 18) لذا تركت الأمة مذهب الاعتزال ودخلت في مذهب أهل السنة على يد الأشعري طوعاً واختياراً، بعد أن أجبرت على تركه كرهاً واضطراراً. وكان الإمام أبو بكر بن الصيرفي يقول: "كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله تعالى الأشعري فحجزهم في أقماع السماسم". بعد عمر حافل بالعلم ونشره وتعليمه للناس رحل الإمام الأشعري، وتوفي في بغداد قبل أو بعد سنة 330 هـ، وكثير من المؤرخين رجحوا وفاته في سنة 324 هـ، ونودي على جنازته: "اليوم مات ناصر السنة". وقد كان في ساعات الاحتضار وخروج الروح يذم المعتزلة وتمويهاتهم وتضليلهم للناس وصدهم عن المعاني الصحيحة للقرآن، وفي الوقت ذاته يُشهِد على نفسه بعض تلاميذه أنه لا يكفر أهل القبلة خوفاً من خطر التكفير، وحتى لا يتحمل وزر أحد من المسلمين وإن ضل، كما في قصة أبي علي زاهر بن أحمد السرخسي. وهكذا ترك مدرسة تربى عليها الكثير من العلماء على مر العصور؛ فهي المذهب العلمي الأول، فجميع أهل السنة على منهجه، ومعظم علماء أصول الفقه والفقهاء كذلك، وعلماء الحديث وشراح الصحيحين والسنن والموطأ كذلك، ومعظم مفسري القرآن الكريم كذلك على طريقته. فضلاً عن علماء العقيدة وعلم الكلام وعلماء اللغة والنحو وأهل السلوك، كلهم إما على طريقته أو على طريقة الإمام أبي منصور الماتريدي. وبسبب إقبال جماهير الأمة المحمدية على طريقة الإمام الأشعري ولا سيما العلماء الأثبات الثقات كانت المدارس العلمية والمعاهد العليا في بلاد المسلمين لا تدرس إلا طريقة الأشعري وأصحابه، فالأزهر الشريف منذ ما يقرب من ثمانمائة عام على هذه الطريقة، وجامع الزيتونة في تونس، وجامع القرويين في المغرب، وبلاد الشام ومدارسها كذلك، إضافة إلى كبار أهل العلم في بلاد الحجاز وكذلك بلاد الهند والسند. وبعد وفاته بفترة يسيرة استعاد المعتزلة بعض قوتهم في عهد بني بُوَيه. ولكن الإمام أبو بكر الباقلاني، قام في وجههم وقمعهم بحججه ودانت للسنة على مذهب الأشعرية في الأصول أهل البسيطة من المسلمين إلى أقصى بلاد إفريقية، وقد بعث الباقلاني تلميذه الحسين بن حاتم الأزدي إلى الشام ثم إلى القيروان وبلاد المغرب، فدان له أهل العلم من أئمة المغاربة وانتشر المذهب إلى صقلية والأندلس، ولابن أبي زيد وأبي عمران الفاسي وأبي الحسن القابسي وأبي الوليد الباجي وتلامذتهم أياد بيضاء في نشر مذهب الإمام أبي الحسن في تلك البلاد. وقام بنشر المذهب في الحجاز راوية «الجامع الصحيح» الحافظ أبو ذر الهروي وأخذ عنه من ارتحل إليه من علماء الآفاق. وكان انتشاره بالشام قبل ذلك بواسطة صاحب الإمام الأشعري: أبي الحسن عبد العزيز الطبري، راوية «تفسير ابن جرير» عن مؤلفه، وكان أهل الشام يجتلبون كبار الأئمة من المذهب الأشعري حينا بعد حين كالإمام قطب الدين النيسابوري، شيخ صلاح الدين الأيوبي، اجتلبه نور الدين الشهيد بناء على طلب العلماء من أهل الشام. الإمام الأشعري حياته وأطواره العقدية : رسالة دكتوراه تهدف إلى بيان آراء أبي الحسن الأشعري التي توافق أهل السنة، وتخالف ما عليه متأخرو الأشاعرة، وخاصة في مسائل الصفات الخبرية، والعلو، والاستواء، مع إبراز وجوه الارتباط في الاستدلال عند الأشعري بين النقل والعقل. سيرة عن ابى الحسن و حياته و فقه المذهبى و كل شىء يخصه .. .
عن الكتاب
2011م - 1443هـ أبو الحسن الأشعري (260 - 324 هـ/ 874 - 936 م) أحد أعلام أهل السنة والجماعة، وإليه ينسب المذهب الأشعري، وكنيته أبو الحسن ويلقب بناصر الدين، وينتهي نسبه إلى الصحابي أبي موسى الأشعري. كان من كبار الأئمة المجتهدين والمجددين الذين حافظوا على عقيدة المسلمين واضحةً نقيَّةً، وتبعه جماهير العلماء على مرِّ العصور حتى يومنا الحاضر. وكان في أول حياته على مذهب الاعتزال، ثم تاب وتراجع بعد ذلك، وتبرَّأ من الأقوال التي كان يقولها المعتزلة، من القول بخلق القرآن وأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين منزلتين وغير ذلك من أقوالهم، وأصبح أهل السنة ينتسبون إليه، حتى لقب بإمام أهل السنة والجماعة. وقد نبغ الأشعري في العلوم العقلية، واشتهر بقوة الجدال والمناظرة بجانب محافظته على النقل. وبجانب براعته في علم الكلام كان أيضاً فقيهاً وعالماً ومحدثاً، يميل كثيراً إلى حياة الزهد والبساطة، وكان متصوفاً في أغلب سلوكه. وقد بلغت مؤلفاته نحو مائتي كتاب. وقيل: بلغت مصنفاته ثلاثمائة كتاب. جعل هدفه الأسمى توحيد كلمة المسلمين على المنهج الوسطي المعتدل ورفض التطرف بكل أنواعه، تطرف المعتزلة الذي أدى بهم إلى رد كثير من نصوص السنة الصحيحة، كما رفض تطرف الجهة الأخرى وهي جهة المجسمة المشبهة الذين غالوا في إثبات ظواهر نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية حتى وصلوا إلى التشبيه والتجسيم، كما تلقفوا من الأخبار كل سقيمٍ وضعيفٍ، فوصلوا إلى عقيدةٍ أقرب إلى الوثنية. ولما كانت الوسطية أهم سمات الإسلام -وهي السمة التي ساعدته على البقاء والاستمرار- استمر مذهب الإمام الأشعري على نفس الوسطية، فأعترف بالعقل الذي انتصر له المعتزلة وآمن به وجعله مساعداً لفهم للنص ورديفاً له لا بديلاً عنه، كما آمن بالنص الذي زعم الحشوية التمسك به، لكنه أعمل النص في مجاله والعقل في مجاله دون أن يجحف بحق واحد منهما حين يدخله في غير مجاله، وبذلك دان جمهور المسلمين بهذا المذهب. كان الإمام الأشعري واسع العلم غزير المعرفة ويشهد له كثرة تآليفه في شتى أنواع العلوم الإسلامية، واتباع جماهير الأمة الإسلامية لطريقته بما فيها من علماء وصالحين وأتقياء وأولياء، وهؤلاء لا يجتمعون على ضلالة؛ لأنهم نخبة هذه الأمة، والمنفي عنهم الاجتماع على الضلالة بنص الحديث المشهور: لا تجتمع أمتي على الضلالة. وقد كان الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الفقيه الشافعي المشهور يقول: «كنت في جنب أبي الحسن الباهلي كقطرة في البحر، وسمعت أبا الحسن الباهلي، قال: كنت أنا في جنب الأشعري، كقطرة في جنب البحر». وقد قيل للقاضي أبي بكر الباقلاني: كلامك أفضل وأبين من كلام أبي الحسن الأشعري ، فقال: «والله إن أفضل أحوالي أن أفهم كلام أبي الحسن ». كان الإمام الأشعري إماماً من أئمة السلف الصالح عاش معظم عمره في القرن الثالث الهجري، وهو من القرون التي شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بالخيرية، وبنهايتها انتهى عصر السلف الصالح. وقد كان الإمام الأشعري متقللاً من الدنيا، يعيش فيها عيشة الكفاف مكتفياً بما يسد رمقه؛ فقد كان يأكل من غلة ضيعة وقفها جده بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري على عقبه، وكانت نفقته في كل سنة سبعة عشر درهماً! وهذا يعني أن حياته كانت حياة زهد وتقشف وعفاف وحلال. فيقول ابن عساكر نقلاً عن بندار بن الحسين الشيرازي، وهو عالم صوفي أورده أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه: (طبقات الصوفية)، وقد كان خادماً للإمام الأشعري بالبصرة. قال: كان أبو الحسن يأكل من غلة ضيعة وقفها جده بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري على عقبه، قال: وكانت نفقته في كل سنة سبعة عشر درهما. أما عبادته لله فقد كان كثير القيام للّيل، بقي قريباً من عشرين سنة يصلي صلاة الصبح بوضوء العشاء، وكان يخفي عبادته عن الناس خشية الرياء ولا يحكي عن اجتهاده فيها شيئاً إلى أحد. كما كان ورعاً تقياً شديد الحياء، شديد الغض لطرفه عن محارم الله تعالى، نشيطاً في أمور الآخرة مقبلاً على ربه عز وجل، فيقول ابن عساكر نقلاً عن أبي الحسين السَّروي: "كان أبو الحسن، يعني الأشعري قريبا من عشرين سنة يصلي صلاة الصبح بوضوء العتمة، وكان لا يحكي عن اجتهاده شيئا إلى أحد". ومعنى أنه يصلي صلاة الصبح بوضوء العتمة، أي العشاء، أنه يقوم الليل كله حتى الفجر، مجتهداً في العبادة والصلاة؛ لأنه لو أغمض عينه لحظة، لكان عليه أن يجدد وضوءه. ومعنى أنه كان لا يحكي عن اجتهاده شيئاً إلى أحد أي في مجال العبادة والتهجد فالعجب والغرور لا يعرفان لهما طريقاً إلى نفسه، بل الورع والإخبات. ويتناول ابن عساكر ورع أبي الحسن وحياءه وتديُّنه، فيقول نقلاً عن أبي عمران موسى بن أحمد بن علي الفقيه، عن أبيه: "خدمت الإمام أبا الحسن بالبصرة سنين، وعاشرته ببغداد إلى أن توفي ، فلم أجد أورع منه، ولا أغض طرفا، ولم أر شيخا أكثر حياءً منه في أمور الدنيا، ولا أنشط منه في أمور الآخرة". وهذا يعني أن الإمام الأشعري كان يبتعد عن الشبهات والمحرَّمات، وكان يغض الطرف عن الشهوات والصغائر، والضغائن والخصومات والعداوات، وكان عفيف النظر، سمح الوجدان والمشاعر، ولا يتدنى إلى مستوى الخلافات الشخصية. كما كان لا يُزاحِم على أمور الدنيا وجاهها، على حين أنه يُسارع وينشط في أمور الآخرة، على نحو يتفوق فيه على كل من عداه. صفته وأخلاقه كان الإمام الأشعري متواضعاً، شديد الحياء، ورعاً حسن الخلق، لطيفاً بهي المنظر مهيباً، ينصف الناس ويحترمهم، من أكثر الناس دعابة، وكان قانعاً متعففاً، حريصاً على جمع كلمة المسلمين، وكان كجده أبي موسى الأشعري موصوفاً بحسن الصوت. وهناك قصة تبين إنصافه وحسن خلقه؛ فقد حضر الأشعري بعض مجالس المناظرة وناظره إنسان فانقطع في يده، أي انقطع الأشعري عن الحجة، وكان معه رجل من العامة فنثر عليه لوزاً وسكراً، فقال له الأشعري: ما صنعت شيئاً؛ خصمي استظهر علي وأوضح الحجة وانقطعت في يده، كان هو أحق بالنثار مني! ثم بعد ذلك أظهر خصمه التوبة والانتقال عن مذهبه إلى مذهب أهل السنة والجماعة. كما كان حاضر البديهة شديد الحفظ ذكياً فطناً، قال أبو عبد الله بن خفيف: دخلت البصرة وكنت أطلب أبا الحسن الأشعري ؛ فأرشدت إليه، وإذا هو في بعض مجالس النظر فدخلت، فإذا جماعة من المعتزلة فكانوا يتكلمون، فإذا سكتوا وأنهوا كلمهم قال لهم أبو الحسن الأشعري لواحد واحد: قلت كذا وكذا، والجواب عنه كذا وكذا، إلى أن أجاب الكل، فلما قام خرجت في أثره فجعلت أقلب طرفي فيه فقال: إيش تنظر؟ فقلت: كم لسان لك؟! وكم أذن لك؟! وكم عين لك؟! فضحك وقال لي: من أين أنت؟ قلت: من شيراز. وكنت أصحبه بعد ذلك. أهم مبادئه من أهم مبادئ ومعتقدات الإمام الأشعري وفقاً للدكتور محمد أمين فرشوخ في كتابه موسوعة عباقرة الإسلام: الله تعالى واحد لا شريك له، قديم لا أول له. وأثبت هذا الوجود بالآيات القرآنية وبالأدلة المنطقية. الله تعالى يعلم الواجب والجائز والمستحيل، محيط بكل شيء ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. القرآن الكريم من حيث هو كلام الله تعالى بالحقيقة هو قديم أزلي، ومن حيث هو ألفاظ تُنقل وتسمع هو مُحدث ومخلوق. أفعال العباد كلها مخلوقة والله تعالى هو خالقها، والعبد عاجز عن خلق أعماله، إلا أن للإنسان قدرة على الأفعال الإرادية فقط، والإنسان كاسب لهذه الأفعال، ينال الثواب والعقاب عليها. التمسّك بكل ما جاء في القرآن والسنة الصحيحة في كل ما يتعلّق بصفات الخالق، وعلى المؤمن المسلم عدم السؤال عن معانيها. الاعتقاد بأن الإيمان هو التصديق بالقلب، أما القول باللسان والعمل بالفرائض فهما من فروعه. والشفاعة واردة فالنبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأمته. رؤية الله في الآخرة للمؤمنين أمر جائز، وقد بيّن ذلك بالآيات القرآنية والأدلة العقلية. السببية الحقيقة لكل ما يحدث ليس النظام المقرر والنواميس الطبيعية بل هو الله تعالى. حال المسلمين قبل ظهور الإمام الأشعري بعد أن طرأ بعض فتور على الفتوح ازداد الناس تفرغاً لتلك الآراء المبثوثة -مثل آراء الخوارج والباطنية والقدرية والجبرية والمرجئة والحشوية، وبالجملة لمجمل الآراء صحيحها وسقيمها والمنحرف منها ومستقيمها- وتغلب على عقول الناس شهوة التعمق فيها. وأخذ أمثال ابن المقفع وحماد عجرد ويحيى بن زياد ومطيع بن إياس وعبد الكريم بن أبي العوجاء -الذي كان ربيب حماد بن سلمة وكان اعترف أنه وضع أربعة آلاف حديث- يواصلون السعي في نشر الإلحاد بين المسلمين وترجمة كتب الملاحدة والثنوية ونشرها، حتى استفحل أمرهم. فأمر المهدي علماء الجدل من المتكلمين بتصنيف الكتب في الرد على الملحدين. وكان القائمون بأعباء تلك المدافعات طائفة من المعتزلة، فأصبحوا -أي المعتزلة- بين عدوين: عدو من خارج الملة له آراء وفلسفة تدرب عليها من عهد قديم، ويتمثل في الكفرة والملاحدة والزنادقة. عدو مجافٍ من داخل الأمة كاد السواد أن ينحاز إليه لتقشفه وهو بعيد عن قضايا العقول، راجت عليه تمويهات المضلين من اليهود والنصارى والثنوية، فكان قصارى عمله وهمه في هذه المعمة: الوقيعة في أهل النظر العقلي لا يفرق بين العدو والحميم، ولو وُكِّل له أمر الدفاع عن العقيدة الإسلامية لما أمكن أن يدافع عنها ساعة من نهار. ولقد اشتغل المدافعون عن العقيدة والمناظرون لخصومها بالعدو الأول -من خارج الملة- وتغاضوا عن الثاني -وهم الحشوية- حتى أتموا الرد على الأول وكشفوا تمويهاته، ثم نقضوا كلام العدو الثاني وأظهروا سخف آرائهم. لكن طول وعمل الجدل والمناظرات في مسائل العقيدة مع خصوم متعددين ومتباينين، أدّت بالمعتزلة إلى ركونهم المطلق إلى العقل وتمجيده والثقة المطلقة به وبكل ما ينتج عنه، ورفضهم للنقل وغلوهم في رفضه وتنحيته من أصول العقيدة بشكل كامل. وكان غالب الفقهاء وحملة السنة طوال هذه المكافحات يأبون الخوض في تلك المسائل ويَجرون على ما عليه الصحابة وخيار التابعين من الاقتصار على ما ثبت من الدين بالضرورة، رغم أن خصوم الدين من الزنادقة كان لهم من الأسلحة ما لا يمكن مقابلته إلا بمثله، خصوصا وأنهم جروا في بث سمومهم وزندقتهم مع المسلمين على طريق التدرج في مراحل التشكيك والتضليل، والجمهور من الفقهاء وأهل السنة في غفلة من ذلك. ومشى أولئك الزنادقة بالمسلمين إلى مرحلة لو ترك الأمر لهم وشأنه لكادت أن تتسرب شكوكهم إلى قلوب جماعة المسلمين فتعم البلوى ويبلغ الخطب مداه. في هذه الظروف، تولى المأمون العباسي الخلافة، وأخذ يشايع المعتزلة ويقربهم حتى حمل الناس على القول بخلق القرآن والتنزيه حسبما يوحي إليه عقله وعقول خلطائه، ودامت هذه المحنة طوال خلافة المعتصم والواثق وزاد الأخير مسألة نفي الرؤية، فلقي خصوم المعتزلة شدائد استمرت إلى أن رفع المتوكل المحنة وأظهر الإمام أحمد بن حنبل فيها من الثبات ما رفع شأنه. ولم يكن للمتوكل ما يحمد عليه غير رفعه المحنة ومنع الناس عن المناظرات في الآراء والمذاهب. ثم ابتدأ من عهد المتوكل العباسي رد الفعل يأخذ سيره الطبيعي من ارتفاع شأن الحشوية وانقماع أهل النظر والمعتزلة. وتشكل حال المسلمين في أمر العقيدة على ما يقرب من هذا التقسيم: أهل السنة: من الفقهاء والمحدثين غارقين في علومهم المجردة في غير جلبة ولا ضوضاء. الحشوية: يجرون على طيشهم وعمايتهم واستتباع الرعاع والغوغاء ويتقولون في الله ما لا يجوِّزه شرع ولا عقل من التشبيه والتجسيم. المعتزلة: يعطلون صفات الله، ويحكّمون العقل تحكيما مطلقاً ويرفضون النقل رفضاً تاماً، ويقولون بخلق القرآن وبنفي الرؤية في الآخرة ونفي الشفاعة وبالأصول الخمسة التي خالفوا بها عقيدة أهل السنة والجماعة، وكانوا يتغلبون على عقول المفكرين من العلماء ويسعون في استعادة سلطانهم على الأمة. الملاحدة والقرامطة والزنادقة: توغلوا في الفساد واحتلوا بلاد الإسلام ولم يبقَ ثغور الدفاع عن العقيدة ما يرابط بالحجج القاطعة والبراهين الدامغة والأدلة الناصعة التي تمحق مخرقة الإلحاد والزندقة والقرمطة، حيث انشغل الكل بأنفسهم وبصراعاتهم البينية. نشأته وتحوله لنصرة أهل السنة كان الإمام الأشعري يعيش في كنف المعتزلة؛ فهو ربيب إمام من أكبر أئمتهم ألا وهو أبو علي الجبائي فهو زوج أمه، تتلمذ عليه منذ نعومة أظفاره، حيث لقنه أصول المعتزلة وطريقتهم قبل أن يشتد عوده، فهو لا جرم تلميذه المقرب؛ ظل يلازمه ويأخذ عنه لا يفارقه أربعين سنة، حتى وصل الأمر بالجبّائي أنه كان إذا عرض له عارض من مرض أو غيره، يمنعه من الحضور في المجالس العلمية والمناظرات يبعث الأشعري ويقول له: نب عني. فأبو الحسن تمرس في طريقة المعتزلة حتى تبحر في كلام الاعتزال وبلغ مكانة مرموقة لديهم، وصار يشار إليه بالبنان، ولكنه كان ذا عقل منير وفطرة سليمة، كما كان باحثاً عن الحقيقة دون تعصب، فقد كان يورد الأسئلة على أساتذته في الدرس، ولا يجد فيها جواباً شافياً؛ فتحير في ذلك أشد الحيرة، وبقي باحثاً عن الحقيقة متعطشاً لها، ملتجئاً إلى الله أن يلهمه رشده ويدله على الحق الذي يريده الله ويرتضيه. ولما جاوز حد الأربعين ازدادت الحيرة لديه بازدياد بحثه عن الحقيقة مع زيادة الالتجاء إلى الله، فغاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوماً متفكراً متأملاً. ثم خرج إلى الجامع؛ فصعد المنبر يوم الجمعة، وقال: معاشر الناس؛ إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق على باطل، ولا باطل على حق؛ فاستهديت الله فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا. وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به، ودفع الكتب إلى الناس، فمنها كتاب: «اللمع» وكتاب أظهر فيه فساد رأي المعتزلة سماه كتاب: «كشف الأسرار وهتك الأستار» وغيرهما. فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة أخذوا بما فيها وانتحلوه واعتقدوا تقدمه واتخذوه إماماً؛ حتى نسب مذهبهم إليه. أما المعتزلة فأعلنوا عليه الحرب وشنعوا عليه ولفقوا الأكاذيب والأباطيل وحقدوا عليه. وتثبت المصادر أسباباً عدة لهذا التحول الفكري في حياة الأشعري، من أهمها تلك المسائل والإشكاليات التي صادفته، والتي لم يجد لها جواباً عند شيخه الجبائي؛ الأمر الذي أوقعه في حيرة وتشكك في مذهب المعتزلة، بصورة جعلته غير راضٍ عنه بالمرة، وبوجه عام يمكن تحديد دواعي الموقف المعارض الذي اتخذه الأشعري من المعتزلة، والذي أدى به إلى التحول - كما يذكر المستشرق هنري كوربان - بأمرين أساسيين: أن منح العقل أهمية مطلقة لا يُفضي إلى دعم الدين، كما زعم المعتزلة، بل على العكس قد يُفضي إلى نفي الدين، أو إلى استبدال العقل بالإيمان، وأي قيمة لتشريع سماوي إذا كان العقل أسمى منه وأرفع؟! يؤكد القرآن في كثير من آياته على الإيمان بالغيب كمبدأ أساسي في التصور الديني، إذا انهارَ انهارت معه أركان الدين، والغيب هذا أمر يُجاوز حدود الفكر البشري ونطاق البراهين العقلية، فاتخاذ العقل إذن كمقياس مطلق في أمور العقيدة يتنافى والحالة هذه مع مبدأ الإيمان بالغيب. مناظرته مع أستاذه الجبائي اعتكف الأشعري في بيته 15 يوماً يفكر في كل ما تعلم عن المعتزلة. قالوا: "ثم خرج إلى الجامع وصعد المنبر وقال: معاشر الناس إنما تغيبت عنكم هذه المدة لأني نظرت، فتكافأت عندي الأدلة ولم يترجح عندي شيء على شيء، فاستهديت الله فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به". وأول ما بلغنا من شكه وخروجه أنه ناظر أستاذه الجبائي، فقال الأشعري له: "ما قولك في ثلاثة: مؤمن وكافر وصبي؟ فقال الجبائي: المؤمن من أهل الدرجات، والكافر من أهل الهلكات، والصبي من أهل النجاة. فقال الأشعري: فإن أراد الصبي أن يرقى إلى أهل الدرجات هل يمكن؟ قال الجبائى: لا، يقال له: إن المؤمن إنما نال هذه الدرجة بالطاعة، وليس لك مثلها، قال الأشعري: فإن قال: التقصير ليس مني، فلو أحييتني كنت عملت من الطاعات كعمل المؤمن، قال الجبائي: يقول له الله: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت ولعوقبت، فراعيت مصلحتك، وأمتّك قبل أن تنتهي إلى سن التكليف... قال الأشعري: فلو قال الكافر: يا رب علمت حاله كما علمت حالي، فهلا راعيت مصلحتي مثله؟ فانقطع الجبائي". وهذه المناظرة مبنية على قول المعتزلة: إن الله تعالى يجب عليه مراعاة الأصلح للعبد، فناقشه الأشعري في هذا المبدأ. ورووا مناظرة أخرى له خلاصتها أن رجلاً سأل الجبائي: هل يجوز ان يسمى الله عاقلاً؟ فقال الجبائي: لا، لأن العقل مشتق من العقال، والعقال بمعنى المانع، والمنع في حق الله محال. فقال الأشعري للجبائي: فعلى قياسك لا يسمّى الله تعالى حكيماً، لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام، وهي الحديدة المانعة للدابة (التي تكون في فم الفرس لإحكام جماحه) عن الخروج، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت: فنحكم بالقوافي من هجاناونضرب حين تختلط الدماء بمعنى نمنع بالقوافي من هجانا. وقال آخر: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكمإني أخاف عليكم أن أغضبا أي امنعوا سفهاءكم. فإذا كان اللفظ مشتقاً من المنع، والمنع على الله محال، لزمك أن تمنع إطلاق "حكيماً" عليه تعالى، فلم يجد الجبائي جوابا، وسأل الأشعري: ما تقول أنت؟ قال: أجيز حكيماً، ولا أجيز عاقلاً... لأن طريقي في مأخذ أسماء الله السماع الشرعي، لا القياس اللغوي، فأطلقت حكيماً، لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلاً، لأن الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته. وهكذا سار الجدل بينهما حتى انفصل عنه الأشعري وعن الاعتزال. منهجه في البحث عن الحقيقة يمكن لنا من هذه الحادثة أن نستشف منهج الإمام الأشعري في البحث عن الحقيقة، ويمكن أن نلخصه في الآتي: البحث عن الحقيقة ونبذ التعصب؛ حيث لم تمنعه أربعون سنة قضاها في الاعتزال أن يرجع إلى الحق لما ظهر له، وفي هذا درس لكل باحث عن الحقيقة أن لا تأسره فكرة ما ولو طال اعتقاده لها، بل يتبع الحق متى ظهر له. دوام الفكر دون توقف، وكثرة التأمل مع الخلوة المؤقتة حتى يتفرغ الذهن من الشواغل. الالتجاء إلى الله تعالى والاعتراف بالعجز بين يديه سبحانه وتعالى، ودوام الخضوع له والتماس الهداية منه؛ لأنه وحده القادر على خلق الهداية والتوفيق لها، مع الأخذ بالأسباب، ولكن الاعتماد على الله وليس على تلك الأسباب. اعتماد الكتاب والسنة أصلاً وحيداً في الشرعيات، فما وافق الكتاب والسنة في قضايا الشرع قُبل وما لم يوافق رُد، ولا يعد هذا انتقاصاً للعقل؛ إذ العقل مجاله العقليات، أما في الشرعيات فعمله منحصر في إثبات صدقها أولاً ثم فهمها الصحيح ثانياً، والعمل بمقتضاها أخيراً. القضاء على الاعتزال فرض الاعتزال على المسلمين ثلاثةٌ من خلفاء بني العباس على مدى سنوات طويلة؛ فصار لهم دولة ورجال ولكن الفكر لا يستمر ولا يستقر فرضاً من حاكم أو دولة وإن طال زمانه فلا بد أن تعود الأمة إلى رشدها، ولا بد لحجة العقل أن تغلب حجة السيف. لما توقف الحكام بالحياد وتركوا إرغام الناس على اعتناق مذهب تنشط أهل الحق في بيان العقيدة الصحيحة، وشاء الله تعالى للمذهب المبطل أن ينتقض من داخله، وهذه سنة الله في الأرض ﴿بل نقذف بالحقّ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق﴾ (سورة الأنبياء: 18) لذا تركت الأمة مذهب الاعتزال ودخلت في مذهب أهل السنة على يد الأشعري طوعاً واختياراً، بعد أن أجبرت على تركه كرهاً واضطراراً. وكان الإمام أبو بكر بن الصيرفي يقول: "كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله تعالى الأشعري فحجزهم في أقماع السماسم". بعد عمر حافل بالعلم ونشره وتعليمه للناس رحل الإمام الأشعري، وتوفي في بغداد قبل أو بعد سنة 330 هـ، وكثير من المؤرخين رجحوا وفاته في سنة 324 هـ، ونودي على جنازته: "اليوم مات ناصر السنة". وقد كان في ساعات الاحتضار وخروج الروح يذم المعتزلة وتمويهاتهم وتضليلهم للناس وصدهم عن المعاني الصحيحة للقرآن، وفي الوقت ذاته يُشهِد على نفسه بعض تلاميذه أنه لا يكفر أهل القبلة خوفاً من خطر التكفير، وحتى لا يتحمل وزر أحد من المسلمين وإن ضل، كما في قصة أبي علي زاهر بن أحمد السرخسي. وهكذا ترك مدرسة تربى عليها الكثير من العلماء على مر العصور؛ فهي المذهب العلمي الأول، فجميع أهل السنة على منهجه، ومعظم علماء أصول الفقه والفقهاء كذلك، وعلماء الحديث وشراح الصحيحين والسنن والموطأ كذلك، ومعظم مفسري القرآن الكريم كذلك على طريقته. فضلاً عن علماء العقيدة وعلم الكلام وعلماء اللغة والنحو وأهل السلوك، كلهم إما على طريقته أو على طريقة الإمام أبي منصور الماتريدي. وبسبب إقبال جماهير الأمة المحمدية على طريقة الإمام الأشعري ولا سيما العلماء الأثبات الثقات كانت المدارس العلمية والمعاهد العليا في بلاد المسلمين لا تدرس إلا طريقة الأشعري وأصحابه، فالأزهر الشريف منذ ما يقرب من ثمانمائة عام على هذه الطريقة، وجامع الزيتونة في تونس، وجامع القرويين في المغرب، وبلاد الشام ومدارسها كذلك، إضافة إلى كبار أهل العلم في بلاد الحجاز وكذلك بلاد الهند والسند. وبعد وفاته بفترة يسيرة استعاد المعتزلة بعض قوتهم في عهد بني بُوَيه. ولكن الإمام أبو بكر الباقلاني، قام في وجههم وقمعهم بحججه ودانت للسنة على مذهب الأشعرية في الأصول أهل البسيطة من المسلمين إلى أقصى بلاد إفريقية، وقد بعث الباقلاني تلميذه الحسين بن حاتم الأزدي إلى الشام ثم إلى القيروان وبلاد المغرب، فدان له أهل العلم من أئمة المغاربة وانتشر المذهب إلى صقلية والأندلس، ولابن أبي زيد وأبي عمران الفاسي وأبي الحسن القابسي وأبي الوليد الباجي وتلامذتهم أياد بيضاء في نشر مذهب الإمام أبي الحسن في تلك البلاد. وقام بنشر المذهب في الحجاز راوية «الجامع الصحيح» الحافظ أبو ذر الهروي وأخذ عنه من ارتحل إليه من علماء الآفاق. وكان انتشاره بالشام قبل ذلك بواسطة صاحب الإمام الأشعري: أبي الحسن عبد العزيز الطبري، راوية «تفسير ابن جرير» عن مؤلفه، وكان أهل الشام يجتلبون كبار الأئمة من المذهب الأشعري حينا بعد حين كالإمام قطب الدين النيسابوري، شيخ صلاح الدين الأيوبي، اجتلبه نور الدين الشهيد بناء على طلب العلماء من أهل الشام. الإمام الأشعري حياته وأطواره العقدية : رسالة دكتوراه تهدف إلى بيان آراء أبي الحسن الأشعري التي توافق أهل السنة، وتخالف ما عليه متأخرو الأشاعرة، وخاصة في مسائل الصفات الخبرية، والعلو، والاستواء، مع إبراز وجوه الارتباط في الاستدلال عند الأشعري بين النقل والعقل. سيرة عن ابى الحسن و حياته و فقه المذهبى و كل شىء يخصه .. .
تحميل
التحميل حجم الكتاب
غير محدد فى الوقت الحالى